ظل في قصر الذهب
كان الفجر يتسلل خجولاً عبر النوافذ العالية المطعّمة بالعقيق، يرسم على الرخام المصقول خطوطاً من ضوء ذهبي باهت، حين خرجت الملكة نفرتيتي من مقصورتها الخاصة تسير بخطى متزنة نحو أروقة القصر الملكي الممتدة كأنها لا نهاية لها. كانت الأروقة تعانق السماء بأعمدتها الحجرية الشاهقة، كل عمود منها منقوش بحكايات الآلهة وانتصارات الأسلاف، مطلي بطبقة رقيقة من الذهب تعكس أشعة الصباح فتبدو كأنها نار خافتة تتراقص على الجدران. كانت الرائحة العابقة بالبخور واللوتس تملأ المكان، تتسلل إلى الأنفاس وتضفي على الفضاء جواً من القداسة الغامضة.
سارت الملكة، وخلفها موكب من الخادمات يحملن أطباق الذهب المرصعة باللازورد، وحراس يمشون بصمت مطلق كأنهم تماثيل تحركت لتوها من جدران المعابد. كانت العيون تتابعها من كل اتجاه، لكنها لم تشعر يوماً أن أحداً يراها حقاً. كان الجميع يرون التاج، يرون العرش، يرون الملكة التي تحمل على كتفيها مصير أرض النيل بأكملها، لكن أحداً لم يكن يبحث عن المرأة التي تختبئ خلف هذا الجلال المهيب.
توقفت لحظة عند نافذة كبيرة تطل على حدائق القصر، حيث كانت أشجار النخيل تتمايل برفق مع نسمة الصباح الباردة، وتفتحت أزهار اللوتس على سطح البحيرة الصغيرة كأنها كؤوس من الفيروز. تأملت المشهد بعينين هادئتين لكن مثقلتين بشيء أعمق من التعب، شيء يشبه الحنين إلى حياة لم تعشها قط. مدّت يدها لتلامس حافة النافذة…
