بذور الماضي المدفون
كان الغبار يتراقص في شعاع الضوء المتسرب من نافذة العلية الصغيرة، وكأنه يحتفل بعودة أحد إلى هذا المكان المنسي بعد سنوات طويلة من الصمت. صعدت ليان الدرج الخشبي المتهالك، وهي تشعر بأن كل خطوة تصدر صوتاً كصرخة خافتة تنتزعها من عالمها المألوف وتدفعها نحو مجهول ينتظرها في الأعلى. كانت قد سمعت جدتها سلمى تتحدث عن هذا المكان مراراً، لكنها لم تجرؤ أبداً على دخوله، فثمة قاعدة غير مكتوبة في هذا البيت تقول إن العلية ملك للذكريات فقط، وليس للأحياء.
توقفت عند الباب الخشبي القديم، ووضعت يدها على المقبض البارد. شعرت بارتجاف طفيف في أصابعها، لم تعرف إن كان سببه برودة الجو أم شيء آخر أعمق، شيء يشبه الخوف من اكتشاف ما لا ينبغي اكتشافه. دفعت الباب برفق، فأطلق صريراً حاداً شق سكون المساء المتأخر. تسلل ضوء القمر عبر النافذة الصغيرة المتربة، مرسوماً خطوطاً فضية على أكوام الصناديق المتناثرة في الزوايا.
تقدمت بحذر، متجنبة عثرات الأرض الخشبية التي بدت وكأنها تلتهم كل خطوة تخطوها. مرت يدها على أغطية بلاستيكية صفراء تغطي أثاثاً قديماً، وعلى إطارات صور معلقة بشكل عشوائي على الجدار الجانبي. توقف بصرها عند صندوق خشبي في الزاوية الأبعد، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار وربطة قماشية باهتة اللون كانت يوماً ما زرقاء زاهية.
اقتربت منه ببطء، وشعرت بدقات قلبها تتسارع. كتب على الغطاء بخط يد مرتجف: "لجدي رامي - أشياء لا…
