النجمة التي سقطت في الظلام
كانت الغابة في تلك الليلة صامتة، كأنها تحبس أنفاسها خشية أن توقظ شيئًا لا يجب أن يستيقظ. لم يكن ثمة صوت سوى حفيف الأوراق حين تداعبها نسمة باردة، وصرير أغصان عجوز تئنّ تحت وطأة الريح، وصوت مجرفة تشقّ التراب الرطب بإيقاع منتظم، هادئ، لا يحمل أي أثر للتردد.
كان آلي يحفر.
لم تكن يداه ترتجفان، ولم يكن قلبه يخفق بسرعة تفوق المعتاد. كان جسده يتحرك بانسيابية غريبة، وكأن هذا الفعل - حفر قبر في عمق غابة منسية - جزء أصيل من طبيعته، لا يقلّ ألفة عن تناول فنجان قهوة في صباح كسول. أدخل شفرة المجرفة في التربة، ثم رفعها، ثم أفرغها جانبًا، بحركة متكررة أشبه بطقس مقدس مارسه مرات عديدة من قبل حتى صار جزءًا من جسده، امتدادًا لعضلاته وأنفاسه.
توقف للحظة، ومسح جبينه بظهر يده، تاركًا خطًا رفيعًا من الطين على جلده الشاحب تحت ضوء القمر الخافت. نظر إلى الجثة الملقاة على العشب بجانبه، شابٌ في العشرينيات من عمره، عيناه مفتوحتان تحدّقان في السماء بذهول أبدي، وكأنه ما زال يحاول أن يفهم كيف انتهت به الحياة إلى هذه اللحظة بالذات.
ابتسم آلي.
لم تكن ابتسامة انتصار، ولا ابتسامة شماتة، بل كانت أقرب إلى ابتسامة رجل يتأمل عملاً أنجزه بإتقان، مثل نجار ينظر إلى قطعة خشب صقلها بيديه حتى غدت كما أراد. كانت ملامحه هادئة، بل ووديعة، تلك الملامح التي جعلت كثيرين يثقون به دون أن يدركوا أن خلف تلك العينين البنيتين…
